فخر الدين الرازي

2

تفسير الرازي

بسم الله الرحمن الرحيم * ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الأذى عنهما ، وأخبر على الاطلاق أيضا أنه تواب رحيم ، ذكر وقت التوبة وشرطها ، ورغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا تنفعهم التوبة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم ) * البقرة : 54 ) واحتج القاضي على أنه يجب على الله عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين : الأول : ان كلمة " على " للوجوب فقوله : * ( إنما التوبة على الله للذين ) * يدل على أنه يجب على الله عقلا قبولها . الثاني : لو حملنا قوله : * ( إنما التوبة على على الله ) * على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله : * ( فأولئك يتوب الله عليهم ) * فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع ، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار . واعلم أن القول بالوجوب على الله باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك ، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى ، أو غير ممتنعة في حقه ، والأول باطل ، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم ، وهذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى ، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله ، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت ، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار